من التاريخ | مواقف تدل على ذكاء و حكمة نيلسون مانديلا

من التاريخ | مواقف تدل على ذكاء و حكمة نيلسون مانديلا
"نيلسون مانديلا.. من قوة الصمت إلى حكمته المدهشة: كيف أفحم أستاذه العنصري في الجامعة"

في عالمنا اليوم، أصبحنا نسمع الكثير عن الأبطال الذين غيروا مجرى التاريخ، وأحد هؤلاء الأبطال هو نيلسون مانديلا، الذي وقف في وجه الظلم والتمييز العنصري في جنوب إفريقيا. لكن ما لا يعلمه الكثيرون هو أن نيلسون مانديلا لم يكن فقط قائدًا سياسيًا بارعًا، بل كان أيضًا شخصًا حكيمًا ومؤمنًا بالعدل، حتى في مراحل حياته المبكرة.

إحدى القصص التي تجسد حكمته وصلابته تتعلق بتجربة مريرة مر بها أثناء دراسته في الجامعة، حينما كان يدرس الحقوق في جامعة فورت هير، حيث قابل أستاذًا يدعى "بيتر"، وهو شخص أبيض البشرة كان يحمل مشاعر الكراهية الشديدة تجاه مانديلا بسبب لون بشرته. وقد حاول هذا الأستاذ مرارًا وتكرارًا استفزاز مانديلا، لكن الأخير دائمًا ما رد بحكمة وهدوء، مما ترك أستاذه في حالة من الإحباط والغضب.

بداية التوتر:

كان في أحد الأيام، أثناء تناول الطعام في مقصف الجامعة، أن قرر نيلسون مانديلا أن يقترب من أستاذه بيتر ويجلس بالقرب منه، على الرغم من معرفة مانديلا جيدًا أن أستاذه يكرهه بسبب لون بشرته. ولكن لم يكن هذا هو سبب جلوسه بجانبه، بل كان دافع مانديلا هو تطبيق مبدأه في الحياة، وهو عدم السماح للكراهية أن تسيطر عليه، بل عليه أن يظهر دائمًا من خلال تصرفاته كيف أن العنصرية لا مكان لها في عالمنا.

وبينما كانا يتناولان الطعام معًا، وجه الأستاذ بيتر إلى مانديلا تعبيرًا صريحًا عن كراهيته، حيث قال له: "يبدو أنك لا تفهم يا سيد مانديلا أن الخنزير والطير لا يجلسان معًا ليأكلوا".

نظر مانديلا إلى أستاذه بهدوء ثم أجاب بلغة محايدة: "لا تقلق أيها الأستاذ، فسأطير بعيدًا عنك". ثم قام مانديلا بهدوء وتوجه إلى طاولة أخرى. لكن هذه الإجابة، التي كانت مليئة بالاحترام والهدوء، لم تنقضِ بسلام على أستاذه، بل جعلته يشعر بغضبٍ شديد، فقرر الانتقام من مانديلا.

امتحان الشر:

في اليوم التالي، قرر أستاذ بيتر أن يضع مانديلا في موقف محرج داخل قاعة المحاضرات. فطرح عليه سؤالًا في الصف قائلاً: "إذا كنت تمشي في الطريق ووجدت صندوقًا يحتوي على كيسين، أحدهما يحتوي على المال والآخر يحتوي على الحكمة، أي الكيسين ستختار؟"

لم يتردد مانديلا في إجابته، وقال: "طبعًا سأخذ كيس المال". فابتسم أستاذه، ثم قال بسخرية: "إذا كنت مكانك، لاخترت كيس الحكمة".

وكان رد مانديلا على الفور وبهدوء: "كل واحد يأخذ ما يحتاجه". لم يكن في رد مانديلا أي نوع من التصنع أو التفاخر، بل كان ردًا بسيطًا ولكن مليئًا بالحكمة. هذا الرد جعل الأستاذ بيتر غاضبًا بشكل كبير، ولم يستطع مقاومة مشاعر الحقد تجاهه.

امتحان النهاية:

وفي خطوة غير متوقعة، وصل أستاذ بيتر إلى أقصى درجات الحقد في معاملته مع مانديلا، فقرر أن يكتب على ورقة امتحانه كلمة "غبي" بدلاً من تصحيحه. وعندما تسلم مانديلا ورقة الامتحان، كان من المتوقع أن يشعر بالغضب أو الإهانة، لكن بدلًا من ذلك، بقي هادئًا جدًا، ثم جلس في مكانه ولم يعلق على الورقة.

ولكن بعد بضعة دقائق، قام مانديلا بتوجه إلى أستاذه وقال له بكل احترام: "أستاذ بيتر، لقد تسلمت الورقة ولكنك لم تضع لي أي علامة". كانت هذه الكلمات تتسم بحكمة ونبل أخلاقي. فقد كان مانديلا يعرف أن لا قيمة للتعليقات السلبية عندما تكون نابعة من قلب مليء بالكراهية والعنصرية.

الدروس المستفادة:
من هذه القصة نلاحظ أن مانديلا لم يكن مجرد شخص يقاوم التمييز العنصري بالأفعال الكبيرة فقط، بل كان يواجه الظلم بشكل يومي من خلال مواقف صغيرة تبرز في تصرفاته وأقواله. فقد تعلمنا من ردود فعله أن هناك وقتًا للسكوت الحكيم، ووقتًا للرد بهدوء، وأحيانًا يكون أفضل رد هو الصمت أو قول الكلمة الطيبة في مواجهة الحقد.

إن الردود الهادئة التي قدمها مانديلا لم تكن مجرد تصرفات عادية، بل كانت أفعالًا تحمل رسائل قوية لكل من حوله. فقد كان يعلم أن انتقامه من أستاذه لن يغير شيئًا من الواقع، بل كان يدرك أن الصمت والحكمة هما الأساس في التعامل مع مثل هذه المواقف. قد تكون بعض الأساليب القاسية التي يتبعها الأشخاص في أوقات الغضب أو الكراهية هي الأسهل، لكنها في النهاية لن تؤدي إلا إلى المزيد من الحقد والعداوة.


قد لا تكون هذه القصة معروفة للكثيرين، لكن من خلال هذه الحكاية البسيطة من حياة نيلسون مانديلا في سنواته الأولى، يمكننا أن نتعلم دروسًا عظيمة عن الصبر والحكمة في مواجهة التحديات. نيلسون مانديلا ليس مجرد رمز للحرية والعدالة، بل هو أيضًا نموذج يُحتذى به في كيفية التعامل مع الكراهية والتفرقة العنصرية من خلال الردود الهادئة والحكيمة.